وهبة الزحيلي

40

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المفردات اللغوية : الصُّورِ البوق الذي ينفخ فيه ، والمقصود هنا : النفخة الأولى من إسرافيل فَفَزِعَ خاف ، والمراد هنا الخوف الشديد المفضي إلى الموت من الهول ، وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ألا يفزع بأن ثبّت قلبه ، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ملك الموت . وعن ابن عباس : هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم يرزقون وَكُلٌّ أَتَوْهُ حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية ، أو راجعون إلى أمره ، وتنوين كُلٌّ عوض عن المضاف إليه ، أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أتوه داخِرِينَ صاغرين ، والتعبير ب أَتَوْهُ بالماضي لتحقق وقوعه . وَتَرَى الْجِبالَ تبصرها وقت النفخة تَحْسَبُها تظنها جامِدَةً ثابتة في مكانها لعظمها وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي في السرعة ؛ لأن الأشياء الكبار إذا تحركت في سمت واحد ، فلا تكاد تتبين حركتها . وهنا شبهها بالسحب التي تسيرها الرياح صُنْعَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ، أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله ، تقديره : صنع اللّه ذلك صنعا أَتْقَنَ أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ عالم بظواهر الأفعال وبواطنها ، فيجازيهم عليها . بِالْحَسَنَةِ أي الإيمان والعمل الصالح فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي له ثواب بسببها وليس هذا للتفضيل ، إذ لا فعل خير منها ، وفي آية أخرى : عَشْرُ أَمْثالِها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ الفزع هنا : الخوف من العذاب ، وهم : أي الفاعلون الحسنة وأما الفزع الأول في قوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ فهو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع ، وهول يفجأ من رعب وهيبة ، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به بِالسَّيِّئَةِ الإشراك باللّه والمعاصي فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي ألقيت منكوسة ، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم ، وذكرت لأنها موضع الشرف من الحواس ، فغيرها من باب أولى هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي ما تجزون إلا جزاء عملكم من الشرك والمعاصي . وهذا القول المستفهم به للتبكيت . المناسبة : بعد ذكر العلامة الأولى لقيام القيامة وهي خروج الدابة للكلام والحديث ، ذكر اللّه تعالى علامتين أخريين لقيام القيامة وهما النفخ في الصور ، وتسيير الجبال ، ثم ذكر أحوال المكلفين يوم القيامة وأنهم قسمان : المطيعون الأبرار الذين يعملون الحسنات ، فيثابون خيرا منها ويأمنون الفزع من العذاب ، والعصاة